العلاقات اللبنانية السورية - فارس سعيد

العلاقات اللبنانية السورية - فارس سعيد
الثلاثاء 7 يوليو, 2026

شكل استقلال لبنان عام 1943 أول سوء تفاهم حقيقي بينه وبين جارته سوريا. إذ اعتبر التيار الاستقلالي اللبناني، الذي وُلِدَ حصيلة "أقليتين" إسلامية ومسيحية، أنه انتصارٌ على الانتداب الغربي؛ بينما اعتبر التيار الاستقلالي السوري أن هذا الاستقلال "سلخ" لبنان عن سوريا بشكلٍ اصطناعي خدمة لجماعة طائفية معيّنة.

واستمر سوء التفاهم مع أزمة فصل الرسوم الجمركية، وكبُر مع ظروف "الحرب الباردة"، حيث اتجهت سوريا بخطوات ثابتة نحو النموذج الاشتراكي، بينما حافظ لبنان على حرية اقتصادية وتجارية وسياسية ملحوظة.

نظر السوريون الى الانفتاح الاقتصادي اللبناني بوصفه رمزا للاحتكار؛ وإلى حرية التعبير بصفتها استيراد لعاداتٍ غربية، ولاحقا كحجة لاستقبال المعارضين السوريين؛ واعتبروا تعدد اللغات والثقافات بوصفها ابتعادا عن عروبةٍ لطالما انتظرتها المنطقة بعد عقود من حكم الامبراطورية العثمانية ومن ثم الانتداب.

تطورت حالات سوء التفاهم هذه، لتصبح أزمات حادة، وصلت إلى ذروتها خلال الحرب الاهلية، حيث تدخل السوريون من خلال "الصاعقة" وغيرها من الفصائل منذ العام 1973، ومن ثم مع دخول الجيش السوري "منعا لتقسيم لبنان" في العام 1976، والذي حصل على "شرعية عربية" مع قوات الردع العربية، ليتحول بعد ذلك إلى تدخل واضح في الحرب الأهلية التي كانت تحرق الساحة اللبنانية.

مع نهاية الحرب، ظن الفريق الذي دعم اتفاق الطائف أنه قادر على فتح صفحة جديدة مع سوريا، واعتبر أن وقوفه إلى جانب قرار نهاية الحرب قد يفسح في المجال لبداية مرحلة جديدة مع النظام السوري.

ألا أن خيبة الأمل كانت كبيرة لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، لا سيما الفريق المسيحي الذي تمثّل بالكنيسة المارونية مدعومة ب"القوات اللبنانية"، واعتبر "هذا الفريق" أنه قدّم الكثير من أجل دعم اتفاقٍ لم يكن شعبيا لدى المسيحيين، الذين تحملوا العنف والحرب الداخلية، ولم يحصلوا بالمقابل على أي تقدير أو تمييز من قبل الطرف الآخر.. ليخضعوا وغيرهم من اللبنانيين إلى وصاية سورية حكمت لبنان طوال 15 عاما.

بعد خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005، بقيت العلاقات اللبنانية السورية على حالها لا بل ساءت، إلى حين أقر السوريون بعلاقات دبلوماسية مع لبنان في العام 2008.

وحصل ذلك مع تزامن فك عزلة الرئيس الأسد مع العالم على يد الرئيس ساركوزي في 14 تموز 2008، وحصل لبنان بالمقابل من الجانب السوري على اعتراف باستقلال لبنان واعتباره دولة كسائر الدول، ترجم بتبادل للتمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وللمرة الأولى منذ استقلالهما.

مع اندلاع "الربيع العربي" رفضا لنظام آل الأسد، تحرك اللبنانيون لمناصرة المعارضة السورية في الداخل والخارج من خلال تنظيم مؤتمرات مشتركة، واعلان مواقف صريحة دعما لحرية الشعب السوري، وكذلك من خلال تنظيم زيارات إلى الحدود مع سوريا (عرسال ووادي خالد) والتي شاركت فيها قوى 14 آذار وأحزابها المسيحية والاسلامية.

في 8 كانون الاول 2024 سقط بشار الاسد، وكانت لحظة فرح وارتياح لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، باستثناء الفريق الذي مثّله حزب الله وحلفائه، فقد اعتبر هؤلاء ان سقوط الاسد ضربة موجعة لهم، نتجت عنها تبعات سياسية وعسكرية، وحتى اقتصادية.

اليوم، ومع وصول الرئيس احمد الشرع إلى سدة الحكم في سوريا، يتطلع اللبنانيون إلى علاقات ندية صحيحة ترتكز على معادلة واضحة: أقصى درجات التعاون والتنسيق مقابل أوضح التزام متبادل بين الدولتين وبندية لسيادة واستقلال كلٍ منهما.

من هنا، نتمنى أن تكون زيارة وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني إلى لبنان، منذ فترة قريبة، فد أتت بهدف ترسيخ فتح صفحة جديدة على طريق تصحيح العلاقات.

مع قناعتي بأن مصلحة لبنان وسوريا تقتضي التنسيق فيما بينهما وعلى أعلى المستويات، أُحَِّذر بأشد العبارات من الوقوع مجددا في إشكاليات قديمة.

إن احترام الأصول الدبلوماسية بين البلدين يجب أن يكون الخطوة التي تضع العلاقات في الاتجاه الصحيح.

سوريا التي نريد هي سوريا الحديثة التي لا تنظر إلى لبنان وكأنه الحديقة الأمامية على البحر الابيض المتوسط.

سوريا التي نريد هي سوريا التي تعترف بلبنان دولة مستقلة، وتحترم حدوده وتبادر إلى ترسيمها بدءا بالجنوب (مزارع شبعا) وانتهاءً بالشمال (الحدود البحرية).

سوريا التي نريد هي سوريا التي تتعامل مع جميع اللبنانيين بأُخُوَّةٍ، حتى مع الذين أقحمتهم إيران في أتون الحرب القذرة ضد الشعب السوري.

سوريا التي نريد هي سوريا التي تنظر إلى لبنان كشريك اقتصادي وتجاري من طرابلس إلى بيروت وصيدا والبقاع..

سوريا التي نريد هي سوريا التي تحترم حقوق الانسان وحقوق المرأة وحرية التعبير والحفاظ على التنوع.

لأننا ندرك أنه إذا كانت سوريا بخير سيكون لبنان بخير، والعكس صحيح.