اتفاق الطائف وضمانة العيش المشترك في مواجهة أزمات لبنان

اتفاق الطائف وضمانة العيش المشترك في مواجهة أزمات لبنان
الثلاثاء 26 مايو, 2026

يكثرُ الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورةِ تغييرِ نظام الصيغة اللبنانية بوصفها "ولّادة أزمات"، ويستسهل البعض الكلامَ عن لبنانٍ "آخر" في مرحلةٍ شديدة التعقيد تمرُ بها المنطقة.

هناك من اعتبرَ منذ 1989، أن اتفاق الطائف هو اتفاق "الضرورة"، بمعنى أنه "لا يُعجبنا" لكن للضرورة أحكام:

  • ضرورة إنهاء الحرب،
  • ضرورة الانتقال من الحرب إلى السلم،
  • ضرورة التخلّص من خصمٍ داخلي،
  • ضرورة التمسك بهذا الاتفاق في وجه سلاح "حزب الله".

وهناك من يعتبرُ أنه "جرّبَ الاتفاق وفشلَ"، ويعود هذا الفريق منذ لحظة الاعلان بأمثلة تؤكّد على فشله ضارباً بعرض الحائط الآليات التي تحكّمت بنتفيذه انتقائياً:

  • سلاح سوريا من العام 89 حتى العام 2005
  • سلاح ايران منذ العام 2005 حتى يومنا هذا.

وبحجّةِ أنه "فشِلَ" في إدارة البلد، يخرجون عن النصِ مدافعين عن صيغٍ جديدة مثل الفدرالية ولبنان الصغير وغيرها.

أنا أنتمي إلى الفريق الذي يدافعُ عن الدستور بوصفه حامياً لمعنى لبنان القائم على ثلاثية: نهائية الكيان – عروبة لبنان – والعيش المشترك.

كما أفتخرُ بإعلان الفاتيكان تطويب البطريرك الياس الحويّك، وأحذّرُ من:

 

أ‌- خطورة الخروج المتمادي عن الدستور واتفاق الطائف في مرحلةٍ يُعاد فيها رسم خرائط المنطقة وتتعيّن فيها الأحجام والأدوار السياسية والإقتصادية.

  • نحن أمام مفترقِ طرقٍ تتوضّح فيه معالم ترسيمِ المنطقة من جديد وذلك بعد مئةِ عام من انهيار الامبراطورية العثمانية وبدايةِ مرحلةِ اتفاق سايكس- بيكو.
  • اليوم، تتصدر تيارات اسلامية، سنّية وشيعية غير عربية، المشهد وتحاولُ تحديد أحجامها السياسية والاقتصادية والعسكرية على حساب هوية المنطقة.
  • وللحؤولِ دون سقوطِ لبنان وتحميلِه الثمن خلال مراحل التغيير الكبير نتمسّكُ بما اتّفقَ عليه اللبنانيون في اتفاق الطائف الذي أصبح دستوراً والذي يؤكد على نهائيةِ الكيان اللبناني وانتمائه إلى الهوية العربية.
  • عليه، تشكّلُ نهائيةَ الكيان اللبناني الضمانة المطلوبة الرئيسية كي لا يتجه لبنان الى الاصغر أو أن يذوب في إطارٍ أكبر.
  • ان عروبةَ لبنان وانتماءه إلى محيطه العربي يؤمنان له ضمانةَ الدخولِ في نظام المصلحة العربية الذي ترتسمُ معالمُه في العقود الأولى من هذا القرن.

 

ب‌- خطورة الانقلاب على اتفاق الطائف والدستور وقرارات الشرعية الدولية

  • إن الخروجَ من الدستور في لحظةٍ يحاولُ "حزب الله" فرضَ معادلة "السلاح مقابل الدستور"، أي تحقيقَ مكاسبَ لفريقٍ على حساب التوازن الداخلي خطيرٌ جداً، لأن لبنان لا يُحكم بموازين القوى بل بقوةِ التوازن.
  • التمسّك بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية لا سيما القرارات 1559 و1680و1701، والتي تأخذُ من اتفاق الطائف المستند القانوني لها، بمعنى ان التمسك باتفاق الطائف يعني التمسك بقرارات الشرعية الدولية – كما الانسحاب من اتفاق الطائف يعني الانسحاب من قرارات الشرعية الدولية.
  • قد تكونُ إحدى نقاط الضعف (حتى الآن) لمضمون المفاوضات مع اسرائيل في واشنطن تكمنُ في غياب النص السياسي (الشفهي أو المكتوب) عن قرارات الشرعية الدولية 1559، 1680 و1701.

 

ج‌- مسألة العيش المشترك والشراكة السياسية في ظلّ تمرّد فريقٍ على العدالة اللبنانية والدولية.

  • نحن في لحظةِ إعادةِ ترتيب المنطقة، حيث تبحثُ كلُ جماعة ودولة عن موقعٍ لها يشكّل سببَ وجودها في عالمٍ يتغيّرُ بسرعةٍ فائقة.
  • نحن مؤتمون على تجربة لبنانية مرتكزة على العيشِ المشترك، والذي برأيي هو - أي هذا العيش المشترك - ليس رغبةَ المسيحيين بالعيشِ مع المسلمين والعكس إنما هو نتيجة استحالةِ كلِ فريق العيشِ لوحده.
  • هذه هي المعادلة التي تعلّمناها خلال الحرب وبعدها، وتشكّلُ اليوم جوهرَ معنى لبنان في المرحلةِ القادمة في المنطقة والعالم.
  • وعدَ الرئيس أحمد الشرع بصياغة دستور لسوريا الجديدة خلال 4 سنوات، نتمنى له التوفيق لأننا نعرف تعقيدات الأمورِ مع الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين والاسلاميين والمسلمين والعلمانيين و... نحن لدينا دستور فلنُحافظَ عليه.

 

د‌- تصويب النقاش حول مسألة الحياد بما لا يتناقض مع هوية لبنان وانتمائه.

  • إن الحيادَ يرتكزُ على توقّف كل فريق داخلي عن الاستقواء بخارجٍ ما على حساب الشراكة الوطنية. لأن هذا الاستقواء يرتكز على المقايضة التالية: يعطي فريق داخلي جزءًا من السيادة مقابل جزءٍ من المكاسب على حساب الشريك الداخلي. لذا يجب تحييد لبنان عن الصراعات الخارجية.
  • إن تجربة لبنان المئوية تؤكد ان السيادة لا تتجزأ ولا مكاسبَ خاصة لفريقٍ على حساب الشراكة الداخلية الكاملة.
  • كل الطوائف والافرقاء في لبنان اختبروا الاستقواء بالخارج. فلم تسلم طائفة أو حزب من عواقب "مغامرات" الاستقواء.
  • إن الدعوة إلى الحياد أكثر إلحاحاً، والحياد هو عقدٌ لدى اللبنانيين يعلو على الاعتبارات الدستورية والقانونية وكان في أساس الفكرة اللبنانية.
  • والحياد ليس محطةً تأسيسيةً تُضاف إلى المحطات التأسيسية السابقة، مثل تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، أو الميثاق الوطني سنة 1943 واتفاق الطائف في العام 1989. فالحياد المطلوب اليوم كضرورة وطنية حامية وجامعة لكل اللبنانيين إنما يندرج في سياق الحفاظ على العيش المشترك الاسلامي- المسيحي في ظلّ التوازن وفي ظلّ العدالة والحرية.

 

هـ - مناقشة دور لبنان الاقتصادي والثقافي والتعليمي والاستشفائي والمصرفي... بهدف استعادة ميزاته التفاضلية في هذا المجال للخروج من عزلته العربية والدولية الراهنة.

  • ندخلُ اليوم الى مرحلة أوصلت اسرائيل الى عمق المنطقة، كما تتمدد إيران وتركيا وروسيا بشهيات إمبراطورية عُلّقت لقرن وتعود اليوم مع انهيار النظام العربي القديم.
  • يتزامنُ كلُ ذلك مع تراجع دور لبنان الاقتصادي والثقافي والتعليمي والاستشفائي والمصرفي. والمطلوب، وعلى عجلٍ، هو إطلاق ورشِ عمل في كل المجالات المذكورة لاستعادة الدور على مستوى العالم ككل.
  • انتهى زمن "لبنان مركز خدمات المنطقة" نظراً لتطوّر غالبية الدول العربية وتداعيات العولمة والذكاء الاصطناعي.

وإذا كان صحيحاً أن لبنان عانى من مشكلات العالم العربي ودفع أثماناً باهظة لقضايا العرب مع بروز التيارات الوحدوية واندفاعة الثورة الفلسطينية وغيرها.. إنما في الأمانة الإعتراف بالمقابل، أن لبنان جنى حضوراً ونهضةً وانتعاشاً نتيجة انتمائه إلى العالم العربي:

  • أجيال طلائع طلاب الهندسة والطب والاقتصاد منذ أربعينيات القرن الماضي، والذين أطلقوا ورشة إعمار الخليج.
  • قانون سرية المصارف في العام 1956 استدعى الرأس المال العربي هرباً من التأميم في سوريا ومصر والعراق..
  • إقفال قناة السويس في العام 1967 جعل من مرفأ بيروت قناة سويس المنطقة.
  • أموال الفلسطينيين والعرب والنفط.

اليوم انتهت هذه المرحلة وعلينا ابتكار حاجة لنا في هذا العالم (Raison d’etre) جديدة. لا أدّعي معرفة معالمها إنما أعرف أن صيغة العيش المشترك هي ما تبقّى لدينا هذا إذا ما عرفنا كيفية الحفاظ عليها.

  • لا يغيبُ عن بال أحدِ أن وزيري الأشغال في تركيا والمملكة السعودية وقّعا على مشروعِ بناء سكة حديد "السلطان عبد الحميد" التي تربط اسطنبول بمكّة من دون المرور بلبنان.
  • ولا يغيب عن بال أحدٍ أن خطاً بحرياً يمتدّ من الإمارات حتى العقبة في الاردن ومنها إلى حيفا-اسرائيل، ومن حيفا إلى أوروبا دونَ المرورِ بلبنان.
  • كما لا يغيبُ عن بال أحدٍ ما قاله الرئيس أحمد الشرع للصحافة العربية، أن "زمن موسى كان زمن السحر، وزمن المسيح – زمن الطب، وزمن محمد – زمن اللغة، أما زمن اليوم فهو زمن التنمية".

 

و- هواجس الطوائف المتكررة.

عاشت الطوائف اللبنانية منذ قيامِ الجمهورية اللبنانية هواجسَ اعتبرتها وجودية، وقد كانت هذه الهواجس عاملاً أساسياً في دخول لبنان الحرب المشؤومة.

تعود اليوم، في ظل الأزمات الداخلية التي يعاني منها لبنان بالإضافة إلى التحولات الكبيرة في المنطقة، هواجسُ الطوائف إلى الظهور مجدداً،

  • حيث يعيشُ المسيحيون هاجسَ الديموغرافيا الذي لم يفارقَهم، معتبرين اليوم أن العودة إلى "لبنان الصغير" هي "الضمانة" لهم،
  • ويعيش الشيعة هاجسَ التهميش ويحاولون الخروج من هاجسهم هذا مستغلين الدعم الايراني ومتمردين على الدولةِ ومؤسساتها،
  • كما يعيشُ السنّة هاجسَ الكبت، معتبرين أنه بالرغم من الامتدادِ العربي هم في لبنان طائفة كسائر الطوائف، ويُضاف اليوم إلى هذا الامتداد بروزِ قيادةٍ سنّية جديدة في سوريا،
  • فيما يعيش الدروز هاجسَ الطائفةَ المؤسِّسة والتي تحوّلت إلى أقلية مستهدفة، يُضاف إلى ذلك هواجس الدروز في الاقليم.

إن اتفاقَ الطائف هو الضامن الوحيد الذي، من خلال تطبيقه بالكامل، يطرحُ الحلولَ لهذه الهواجس كافة من خلال تثبيت العيش المشترك وضمانة الجماعات وحقوق المواطنين.

  • هناك واقع مشترك بين الجميع، وهو ثقافة الخضوع للأمر الواقع، حيث أن الجميع تأقلموا مع هذا الامر الواقع من أجل الحصول على مكاسب شخصية.

لا جماعة أو طائفة خرجت عن استخدام "سلّم وصولٍ" خارجي على حساب الداخل اللبناني:

تسلّق البعض سلّم الانتداب،

وتناوب آخرون على منظمة التحرير واسرائيل وسوريا وايران.

إن جوهر اتفاق الطائف يرتكز على:

"لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

فارس سعيد