بماذا يعدنا رجال الدنيا والدين؟ - أيمن جزيني

بماذا يعدنا رجال الدنيا والدين؟ - أيمن جزيني
الجمعة 24 مارس, 2023

ما هو المفتاح الذي يملكه رجال الدين عندنا ويثقون أنّه الحلّ لأزمة مُقيمة في لبنان منذ نشوئه وما برحت تتكرّر؟

- البطريرك مار بشارة بطرس الراعي دعا إلى صلاة روحية للنواب المسيحيين. قبل ذلك جمع القادة الموارنة الأربعة وباركهم بوصفهم يمثّلون عموم المسيحيين الموارنة. فلغى بذلك عن قصد أو بغيره حيوية سياسية ممكنة من أفراد وتيارات وبيوتات سياسية.

- المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان يطلّ أسبوعاً بعد أسبوع ليؤكّد أرجحية أمنيّة وعسكرية لمن يمثّل. الأسوأ كان في قوله أمس إنّ مشروع المجتمع الدولي لمساعدة لبنان هو "اقتصادي بأسنان سياسية". سماحته يريد من العالم اعتزال السياسة والتحوّل إلى العمل الخيري لإبقاء لبنان رقعة مسلّحة تهدّد الاستقرار الإقليمي.

نزال الجماعات الشمشونيّ

حركة هؤلاء شيء، وإطلالة الأمين العام لحزب الله شيء آخر. "ظهوراته" التلفزيونية الأخيرة وتصريحاته المتعاقبة تطرح الأحزان والحروب والتوتّرات أفقاً وحيداً أوحد.

نضع جانباً أنّ النواب يمثّلون اللبنانيين جميعاً في اللغة السياسية. في اللغة الدستورية يجب إعادة النظر بمصطلح أنّهم يمثّلون "الأمّة جمعاء". ذلك أنّ اللبنانيين كلّهم برهنوا عن أنّهم جماعات وقبائل وطوائف ولا يشكّلون أمّة واحدة. نضع جانباً أيضاً الأكلاف الإنسانية والاقتصادية والسياسية على البلد وأهله جرّاء "التنكيل" الذي مارسه الحاكمون بأسماء الطوائف في النظام والإدارة وسائر المؤسّسات. لكن ماذا بعد؟

يستحيل استمرار لبنان على الضدّ من طبيعة "الدولة". فكيف وقد أُضيف إليه السلاح وارتفاع جدران العزل المذهبية والطائفية التي راحت تعلو في السنوات الأخيرة مؤدّيةً إلى عزلة لبنان عن المجتمعَين العربي والدولي؟

يكفي الانتباه إلى المنصّات الإلكترونية وما تبثّه مستعاداً من مواضٍ أهليّة وحربية. لم يعد ثمّة حرج عند الجميع في استعراض عضلات سنوات الحرب. أكثر من ذلك، هذا الجميع يبثّ تسجيلات عن بناء عضلات جديدة. هذه الثقافة لا تجعل غير المنازلات الشمشونيّة سبيلاً في علاقات الجماعات الأهلية بعضها مع بعض.

الدولة ضحيّة أولى

لا حلّ للبنان من دون السياسيين الحاليين بسبب أوزانهم الطائفية. ولا حلّ في ظلّ هؤلاء أبداً. إذاً هذه مُعضلة ولا بدّ من مخرج. المخرج على المدى البعيد يتعدّى "البهلوانيّات" الراهنة. أمّا على المدى القصير، فلا بدّ من تعامل هؤلاء بالتي هي أحسن مع المجتمعَين العربي والدولي، كي لا يصبح لبنان أثراً بعد عين. ربّما كان الاتفاق السعودي - الإيراني إشارة إيجابية. لكنّ "ضوءه" لن يصل عاجلاً. وربّما كان البيان الثلاثي الأميركي - الفرنسي - السعودي على هامش اجتماع الأمم المتحدة مدخلاً للحلّ.

وربّما شكّل اللقاء الخماسي في فرنسا سبيلاً لإعادة الوصل والدخول إلى المسرح الدبلوماسي. لكن من دون سلاح. على المدى الأبعد المطلوب إنجاز الدولة بعقل وطني على المعنى العريض للوطنية. والوطنية المنشودة ليست تلك المشدودة إلى تواريخ أهلية وتُحَمّل البلد ما لا يَحتمِل، ولا تفعل غير الوعد بمحاربة العالم لتكون الدولة أولى الضحايا.

ما ينبغي أن يكون حاضراً في السياسة أنّ العالم لن يستقبلنا ونحن حَمَلة قضايا تهدّد الاستقرار. ويستحيل أن يلتفت إلينا إذا كنّا في مركب واحد مع حزب الله المسلّح ويتحكّم بمصير البلد. كما أنّه ليس لدينا ما نقدّمه له إلا الصواريخ ومسارح تخزين السلاح والتدرّب عليه في الناعمة والبقاع وقوسايا، إضافة إلى خلايا الاستخبارات السورية. في هذه الحال لن يبني هذا العالم أيّ صلة معنا.

كيف نتهيّأ لزمن جديد؟

الأكيد أنّ أبواب العالم لن تُفتح للّبنانيين إذا استمرّوا باستعادة مواضيهم الأهلية وبياناتهم الانقسامية منذ عام 1958 وصولاً إلى اليوم. لذا يجب عليهم الخروج:

- من روايات ذاك التاريخ بسرعة ضوئية.

- من "الأساطير" المؤسِّسة التي نهضت عليها السرديّات الأهلية، بعدما رأينا أنّ نتاجاتها هي حروب واستدعاء الخارج للاستقواء به على الداخل.

- من "خرافة" الأدوار اللبنانية في "الخدمات" بين الشرق والغرب التي صار خبرها غابراً عن غابر.

- من أدوات تحليل الحركة الوطنية ومعها قوى إسلامية، وكذلك أدوات الجبهة اللبنانية التي ما عادت كلّها صالحة لحلّ ما لا يُحلّ.

صار مطلوباً إعادة اللبنانيين إلى الدولة. والدولة عكس ما تريده الطائفيات وممثّلوها في النظام والإدارة. ينبغي أن يفعل اللبنانيون ما فعله كارل ماركس مع ديالكتيك جورج هيغل: إيقاف الدولة على قدميها بعدما نجح الحاكمون بأمرهم في إيقافها على رأسها. ضرورات هذا يحتّمها الانهيار اللبناني الكبير. فالنموذج اللبناني ما عاد جذّاباً لأحد. صار نموذجاً للخراب.

يبدو أنّنا نتهيّأ اليوم لزمن جديد. زمن الانهيار المعلن للدولة الوطنية الذي يقابله الصعود السريع للهويّات الفرعية. بعد ما جرى، لماذا نوفّر دفعاً جديداً لهذه الهويّات على حساب الدولة؟

الثابت أنّ الأزمة اللبنانية مُركّبة، وزادها سلاح حزب الله والوصايتان المُتعاقبتان السورية والإيرانية تأزّماً. فالسلاح والولاء لوليّ الفقيه، وقبلهما الرضوخ للإدارة السورية أو سواها، تتعارض مع الدولة وتنقضها. لقد قبلنا بدستور ورحنا ننقضه كلّ يوم، فصارت ديمقراطيّتنا معوّقة ودولتنا هياكل مهترئة. صارت تنبعث من الجماعات الأهلية أصوات: بعضها يريد العودة إلى ما قبل لبنان الكبير، وغيرها يستعدّ لإقامة المعازل والغيتوات.

كلّ هذا يبعث على التشاؤم والقلق على البلد ومستقبله، لا بل حتى على موقعه بين عالمين: مُعتم ومضيء.

*عن صفحة أساس-ميديا